صديق الحسيني القنوجي البخاري
84
فتح البيان في مقاصد القرآن
جزاء كسبهم ، وسمي الجزاء سيئآت لوقوعه في مقابلة سيئآتهم ، فيكون ذلك من باب الازدواج والمشاكلة . كقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وفيه رمز إلى أن جميع أعمالهم كذلك ، ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره فقال : وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ الموجودين من الكفار سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا كما أصاب من قبلهم ، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر ، والسين للتأكيد وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي بفائتين على اللّه بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة . أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا الضمير للقائلين إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [ القصص : 78 ] فالمعنى أقالوها ولم يعلموا ؟ أو أغفلوا ولم يعلموا ؟ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ أي يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أن يوسعه له ، وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحانا وَيَقْدِرُ أي يقبضه على من يشاء أن يقبضه ، ويضيقه عليه ، وإن كان قويا شديد الحيلة ابتلاه ، وقيل : يجعله على قدر قوت ، قال مقاتل : وعظهم اللّه ليعتبروا في توحيده ، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين ، فقال : أو لم يعلموا أن اللّه يوسع الرزق لمن يشاء ؟ ويقتر على من يشاء ؟ فلا قابض ولا باسط إلا اللّه تعالى ، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ، فلا بدّ لذلك من حكمة وسبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله ، فإنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، والجاهل الضعيف في أعظم السعة . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من التوسيع والتضييق لَآياتٍ أي لدلالات عظيمة وعلامات جليلة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ باللّه ، وإنما خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بالآيات ، المتفكرون فيها ، ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبة بذكر سعة رحمته ، وعظيم معرفته ، وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبشرهم بذلك فقال : قُلْ يا عِبادِيَ قرىء بإثبات الياء وصلا ووقفا . وبغير الياء . وهما سبعيتان الَّذِينَ أَسْرَفُوا أي أفرطوا عَلى أَنْفُسِهِمْ في الكفر أو المعاصي واستكثروا منها لا تَقْنَطُوا بفتح النون وبكسرها أي لا تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي من مغفرته ، وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة : منها إقباله تعالى عليهم ، ونداؤهم ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله : مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله الآتي : إِنَّ اللَّهَ ، قاله السمين . وقال عبد اللّه وغيره : هذه الآية أرجى آية في كتاب اللّه سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم ، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب ، ثم عقب ذلك بالنهي عن